وسط منافسة إقليمية على جذب الاستثمارات، تسعى مصر إلى تبسيط الإجراءات وتعزيز مناخ الأعمال عبر «الرخصة الذهبية»، التي وُضعت لتمنح المستثمرين موافقة موحدة تشمل جميع التراخيص اللازمة لتأسيس وتشغيل المشروعات الاستراتيجية.
ومع ذلك، ورغم مرور عامين على إطلاقها، لا تزال النتائج أقل من التوقعات، حيث لم تُصدر سوى 44 رخصة، وسط تساؤلات بشأن تأثير شروطها الصارمة على انتشارها، ومدى تأثيرها الفعلي على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الاقتصاد المصري.
وفقاً لنص المادة 20 من قانون الاستثمار الصادر بالقانون رقم 72 لسنة 2017 والمادتين (42 و43) من لائحته التنفيذية، فإنه يمكن تعريف الرخصة الذهبية بأنها موافقة واحدة على إقامة المشروع وتشغيله وإدارته بما في ذلك تراخيص البناء، وتخصيص العقارات اللازمة له.
ويجوز منحها للشركات بقرار من مجلس الوزراء خلال 20 يوم عمل فقط، كما يجوز أن تتضمن هذه الموافقة منح المشروع أحد الحوافز الواردة بالقانون والتي تشمل حوافز عادية، وخاصة، وإضافية.
ويمكن أن تمنح الرخصة للشركات التي تؤسس لإقامة مشروعات المشاركة بين القطاع الخاص والدولة أو القطاع العام، أو مشروعات استراتيجية أو قومية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وفقاً لخطة التنمية الاقتصادية للدولة.
وتهدف الرخصة الذهبية التي أطلقتها مصر في عام 2023 إلى تحسين مناخ الاستثمار وإنهاء الإجراءات البيروقراطية، واستقطاب المزيد من الشركات وتحفيزها على ضخ استثمارات جديدة في السوق المصرية، بما يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم بيئة الأعمال.
ويعتبر عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية محمد البهي، الرخصة الذهبية خطوة إيجابية نحو تسهيل الإجراءات الاستثمارية وتسريع تنفيذ المشروعات، لكنها بحاجة إلى توسيع نطاق تطبيقها لضمان تحقيق أقصى استفادة منها.
وفي حديثه مع «إرم بزنس» يشير البهي إلى أن المستثمرين كانوا يواجهون قبل قانون الاستثمار الحالي تحديات بيروقراطية معقدة عند استخراج التراخيص والتعامل مع الجهات المختلفة، مما يؤدي إلى إهدار الكثير من الوقت والجهد.
كما أن إتاحة الموافقة الموحدة دون الحاجة إلى المرور بإجراءات طويلة ستجعل مصر وجهة أكثر تنافسية للصناعات الكبرى، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات، ويجنب تردد المستثمرين الأجانب في دخول السوق المصرية.
وفقاً لأحدث بيانات البنك المركزي، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر نحو 46.1 مليار دولار بنهاية العام المالي 2023-2024.
بدوره، يؤكد رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن الرخصة الذهبية تعد خطوة استراتيجية تحمل العديد من الفوائد للمستثمرين والاقتصاد.
فبالنسبة للمستثمرين توفر لهم إجراءات ميسرة وتراخيص موحدة؛ مما يساهم في جذب المزيد من رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وسجّل الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد المصري مُعدّل نمو و3,5% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025 مقارنة بمعدل 2.7% في الربع المناظر للعام المالي السابق، وفق موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
كما يؤكد عبده أهمية توفير مزيد من التسهيلات للمستثمرين المحليين، باعتبارهم الاختبار الحقيقي لجدوى الإصلاحات الاقتصادية، فكلما كان المناخ الاستثماري ملائماً لهم، زادت جاذبية السوق المصري للمستثمرين الأجانب.
ورغم مرور عامين على إطلاق الرخصة الذهبية في مصر، إلا أنها لم تحقق النتائج المتوقعة وفق المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية محمد حنفي، إذ يشير في حديثه، مع «إرم بزنس»، إلى أنها لم تستقطب سوى عدد محدود من المشروعات؛ بسبب المعايير الصارمة التي لا تتناسب مع أغلب المستثمرين.
ومنحت مصر 44 رخصة ذهبية للمستثمرين الأجانب والعرب وفق تصريحات لوزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب، في حين كان يتوقع مدير غرفة الصناعات المعدنية إصدار أكثر من 1000 رخصة خلال عامين.
وبحسب حنفي يرجع ذلك إلى معايير الملاءة المالية المرتفعة واشتراط إدراج المشروع ضمن القطاعات الإستراتيجية، مطالباً بإعادة النظر في هذه الاشتراطات لتوسيع نطاق الاستفادة منها، خاصة في القطاعات الإنتاجية التي تعزز الصادرات، وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.
وحققت مصر صادرات بقيمة 40 مليار دولار في العام الماضي، وفق الخطيب، مشيراً إلى أن توجهات الدولة تستهدف الوصول بالصادرات إلى 145 مليار دولار حتى عام 2030.
ويوضح حنفي أنه إذا كانت الرخصة ساعدت بعض الشركات الأجنبية في تجاوز العقبات الروتينية، إلا أن اشتراطات التصدير والتمويل بالنقد الأجنبي حالت دون حصول العديد من المشروعات على الرخصة، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك خططًا توسعية، لكنها تحتاج إلى تسهيلات أكثر مرونة.
الرخصة الذهبية، رغم دورها في جذب الشركات الكبرى، فإن تعميمها على باقي المشروعات قد يسهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات بدلا من تدفقها إلى الدول المنافسة، وفقاً لحنفي.
وتلقت مصر صافي تدفقات استثمارية مباشرة من الدول العربية بقيمة 20.9 مليار دولار خلال الربع الأخير من العام المالي الماضي، وفقاً لبيانات حديثة صدرت عن البنك المركزي المصري.