logo
اقتصاد

اتفاق المعادن الأوكراني الأميركي: صفقة ذكية أم استسلام اقتصادي؟

اتفاق المعادن الأوكراني الأميركي: صفقة ذكية أم استسلام اقتصادي؟
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترامب (إلى اليسار) والأوكراني فولوديمير زيلينسكيالمصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:26 فبراير 2025, 02:08 م

يبدو أن كييف قد وجدت نفسها أخيراً مضطرة لتقديم تنازلات كبيرة إلى واشنطن لضمان استمرار تدفق الأسلحة والمساعدات، وهو ما يفسّر موافقة القيادة الأوكرانية هذا الأسبوع على منح الولايات المتحدة حصة من موارد البلاد المعدنية النادرة مقابل استمرار الدعم الأميركي لها.

لكن اتفاق المعادن هذا، والذي قد يوقّع رسمياً خلال زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن يوم الجمعة، يثير تساؤلات حول ما إذا كان يمثل «صفقة ذكية» أم «استسلاماً اقتصادياً» طويل الأمد، بعد ثلاث سنوات من الحرب الشاملة مع روسيا. كما إنه من ناحية أخرى قد يحمل تغييرات كبيرة على قواعد اللعبة في أسواق المعادن العالمية، لن يكون المنتجون الرئيسيون في العالم، ومن بينهم دول خليجية، بمنأى عن تأثيراتها.

موارد هائلة بـ12 تريلون دولار

تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة ستحصل على حصة مهمة (لم يتم تحديدها بعد) من عائدات المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا، مثل الليثيوم والتيتانيوم والنيوديميوم، التي تُعتبر أساسية بالنسبة إلى تقنيات الطاقة النظيفة والصناعات الدفاعية. هذه الموارد، التي تقدّر قيمتها بحوالي 12 تريليون دولار حسب مصادر عدة من بينها تقرير لـ«مدرسة الاقتصاد في كييف» (Kyiv School of Economics)، وآخر لصحيفة «نيويورك تايمز»، تمثل أحد الأصول القليلة التي تمتلكها أوكرانيا للتفاوض في ظل الحرب التي استنزفت اقتصادها. ومع ذلك، فإن الاتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية صلبة ضد روسيا، الأمر الذي يترك كييف في موقف ضعيف أمام طموحات ترامب التجارية.

أكبر الدول من حيث حجم احتياطات المعادن النادرة
أكبر الدول من حيث حجم احتياطات المعادن النادرة المصدر: إرم بزنس

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تعتبر هذه الصفقة بمثابة فرصة ذهبية لتقليص اعتمادها على الصين التي تسيطر على 60% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة عالمياً، وأكثر من 90% من تكريرها. وفي ظل إدارة ترامب التي يبدو أنها تنظر إلى العالم بـ«عدسة الصفقات» أكثر من أي عدسة أخرى، فإن الوصول إلى احتياطيات أوكرانيا البالغة نحو 5% من الاحتياطيات العالمية، يعدّ خطوة لتعزيز الأمن القومي ودعم الصناعات الأميركية.

ويبقى هناك سؤال مهم على هذا الصعيد، وهو: هل ستكون الولايات المتحدة قادرة على استغلال هذه الموارد فعلياً؟ لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الأخذ في الاعتبار أن غالبية مناجم أوكرانيا الرئيسية تقع في مناطق شرقية تحتلها من روسيا أو قريبة من الجبهة، بالتالي، تعتبر أي عمليات تعدين فيها «مخاطرة كبيرة».

كييف والتسوية المؤقتة

أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فالقرار ليس سهلاً. فمنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تلقت كييف مساعدات أميركية بقيمة 67 مليار دولار كأسلحة، و31.5 مليار دولار كدعم مالي مباشر، وهي مبالغ كبيرة، وإن كانت أقل من رقم الـ500 مليار دولار الذي طالب به ترامب في البداية كـ«تعويض». زيلينسكي، الذي رفض المسودة الأولية للاتفاق لعدم وجود ضمانات أمنية، واجه ضغوطاً متزايدة للتوصل إلى حل وسط. والنتيجة صفقة تبدو كتسوية مؤقتة: صندوق استثماري مشترك لإعادة الإعمار، مقابل الوصول إلى المعادن.. ولكن دون التزامات عسكرية واضحة من واشنطن.

كل الأسواق العالمية، بل وصنّاع القرار حلو العالم، يراقبون عن كثب أي تطورات في هذا الملف. فإذا نجحت الولايات المتحدة في تطوير هذه الموارد، قد يؤدي ذلك إلى تحوّل طفيف في سلاسل التوريد بعيداً عن الصين، وهو ما يفيد الشركات الأميركية والأوروبية التي تعاني من نقص في المعادن الاستراتيجية. لكن التحديات تبقى كبيرة: البنية التحتية المدمرة في أوكرانيا، وغياب بيانات جيولوجية حديثة، فضلاً عن الحرب المستمرة، كلها عوامل تجعل الاستثمار مخاطرة بعيدة المدى. وفي الوقت ذاته، قد تجد أوروبا نفسها متضررة للتخلي عن حصة محتملة من هذه الموارد التي كانت تأمل في استغلالها لدعم اقتصاداتها المضطربة.

جدل حول العالم

في غضون ذلك، من غير المستغرب أن يثير مثل هذا الاتفاق جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية حول العالم. منتقدون له، ومن بينهم المستشار الألماني أولاف شولتس الذي خسر الانتخابات التشريعية في بلاده الأحد الماضي، وصفوه بـ«الأناني»، مشيرين إلى أن أوكرانيا ستحتاج إلى هذه الموارد لإعادة بناء اقتصادها المحطم الذي تقلص بنسبة 30% منذ بدء الحرب. كما أن هناك آخرين ممن يرون فيه نهجاً استعمارياً جديداً من جانب ترامب، الذي يبدو مهتماً بتحقيق مكاسب تجارية أكثر من اهتمامه بإنهاء الصراع. ومع ذلك، فإن الضغط على زيلينسكي قد أتى ثماره، حيث يعتمد بقاء أوكرانيا كدولة مستقلة وذات سيادة على الدعم الأميركي.

دول الخليج.. وتغير قواعد اللعبة

في ما يتعلق بدول الخليج التي ورغم اعتمادها على النفط، تسعى لأن تصبح مراكز للصناعات المتقدمة، فإن هذا الاتفاق قد يغير قواعد اللعبة، لا سيما بالنسبة إلى السعودية والإمارات اللتين استثمرتا بكثافة في سلاسل توريد المعادن الحرجة، من التعدين في إفريقيا إلى معالجة المواد الخام محلياً. ففي عام 2024، أعلنت السعودية عن خطط لاستثمار 186 مليار دولار في مشاريع الطاقة الخضراء التي تعتمد على هذه المعادن. وبالتالي، إذا نجحت الولايات المتحدة في استغلال الموارد الأوكرانية، فقد تتجه الشركات الغربية إلى مصدر أقرب وأقل مخاطر جيوسياسية من الخليج، ما من شأنه أن يضعف جاذبية الاستثمارات في المنطقة.

لا شك في أن الصورة النهائية لهذه التطورات تظل غامضة، على الأقل حتى الآن. فإذا جرى التوقيع على الاتفاق يوم الجمعة، ربما يمثل ذلك بداية لعلاقة اقتصادية جديدة بين واشنطن وكييف، علاقة قد تعزز الأمن القومي الأميركي على حساب السيادة الأوكرانية. أما إذا فشل التنفيذ بسبب الحرب أو المقاومة الداخلية، فقد يصبح مجرد فصل آخر من سلسلة المفاوضات الفاشلة التي اتسم بها هذا الصراع. وفي كلتا الحالتين، يبقى الدرس واضحاً: في عالم ترامب، لا شيء يأتي مجاناً، حتى لو كان الثمن أغلى مما يمكن للطرف الآخر تحمله.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف
جميع الحقوق محفوظة © 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC