على سواحل الخليج العربي، حيث ظلَّ النفط لعقودٍ عصب الاقتصاد، تواصل قطر العمل على زيادة إنتاجها من الغاز، مستفيدة من الطلب الآسيوي المتزايد، وذلك ضمن استراتيجية تحميها من تقلبات أسعار النفط. لكن، ورغم أهمية هذه الاستراتيجية، يبدو أن هناك ثمناً بيئياً باهظاً، لن تتردد الدوحة في دفعه لتعزيز مكانتها كأحد أكبر مصدري الغاز المسال في العالم.
باستثمارات ضخمة تبلغ 29 مليار دولار بدأتها في عام 2019، تتطلع قطر للوصول بطاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال إلى 126 مليون طن سنوياً بحلول عام 2027، أي ما يُعادل خُمس الإنتاج العالمي الذي يُتوقع أن يصل إلى حدود 630 مليون طن بعد عامين. تعتبر هذه زيادة كبيرة مقارنة بإنتاج البلاد الذي بلغ 77 مليون طن في 2024، وهي تأتي في وقت يحافظ فيه الغاز القطري على قوته في السوق مع صادرات بقيمة 40 مليار دولار سنوياً، تتجه في معظمها إلى الصين والهند.
على الرغم من أن كمية الغاز المسال المصدّر ظلت أقل مما صدّرته الولايات المتحدة العام الماضي (حوالي 87 مليون طن)، إلا أن قيمتها تجاوزت قيمة الصادرات الأميركية بأكثر من 10 مليارات دولار (قُدّرت قيمة الصادرات الأميركية من الغاز المسال في 2024 بنحو 28.1 مليار دولار). وقد تمكنت قطر إلى حد كبير من تعويض انخفاض صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 19% في العام الماضي، عبر زيادتها إلى الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين التي استحوذت على 35% من إجمالي صادرات الغاز القطرية، وكذلك الهند التي استحوذت على ما نسبته 25%.
وبذلك، يمكن القول إن الغاز القطري يشكل إلى حد بعيد تحدياً مباشراً للولايات المتحدة التي تسيطر على 15% من أسواق الغاز العالمية، خصوصاً في ظل التطلعات القطرية المستمرة لتوسيع قائمة المشترين، حيث وقعت في ديسمبر 2024 اتفاقية طويلة الأمد مع شركة «شل» لتوريد 3 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال إلى الصين، بدءاً من يناير 2025، فيما أبرمت كذلك اتفاقية لمدة 5 سنويات مع شركة «غايل إنديا» (Gail India) لتوريد شحنة واحدة من الغاز الطبيعي المسال شهرياً بدءاً من أبريل 2025.
لكن كل هذه الاندفاعة القطرية، لا تخلو من ثمن بيئي باهظ، يتمثل في مشكلة تسرب غاز الميثان الذي يعتبر من أخطر الغازات الدفيئة، ما يشكل بالتالي نقطة ضعف كبيرة في استراتيجية قطر.
فحقل الشمال الذي يعتبر العمود الفقري ومصدر الدخل الرئيسي للاقتصاد القطري، يعتبر وحده مسؤولاً عن 25% من انبعاثات التلوث في الخليج، بإجمالي 3 ملايين طن سنوياً، علماً أن تأثير الميثان على الاحتباس الحراري يفوق تأثير الكربون بـ80 مرة. وعلى الرغم من الحديث عن التزام قطر بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر واستثمارها أكثر من 200 مليار دولار في مشروعات بيئية ومشروعات الطاقة المتجددة حتى عام 2030، تظل الحقيقة أن الغاز يشكل 40% من اقتصاد قطر البالغ 120 مليار دولار، وهو ما يعني أن النمو الاقتصادي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصدر ملوث للبيئة. وبالتالي، يبدو أن الأولوية في استراتيجية قطر هي للتجارة لا للبيئة، مع قبول الدوحة بأن الميثان هو الثمن الذي يجب دفعه للمحافظة على مكانتها في أسواق الغاز العالمية.
تلوح مشكلة تسرب الميثان في الأفق كعقبة بيئية من شأنها أن تشكل خطراً على السمعة الدولية لقطر. وفي هذا المجال، تستثمر قطر سنوياً ما يُقدّر بمليار إلى 1.5 مليار دولار لمعالجة تسرب الميثان، إلا أن هذه الاستثمارات تظل ضئيلة مقارنة بحجم المشكلة.
إلى جانب ذلك، يواجه الغاز القطري عموماً تحديات أخرى، ليس أقلها المنافسة القادمة من الولايات المتحدة التي سعت منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية إلى فرض نفسها لاعباً مهيمناً على سوق الغاز العالمية، وكذلك التحوّل العالمي المتنامي نحو الطاقة المتجددة، وهو ما يطرح في نهاية المطاف تساؤلات حول مستقبل الطلب على الغاز في ظل انخفاض تكلفة الطاقة النظيفة.