logo
اقتصاد

لماذا يحمل خفض الفائدة مخاطر على اقتصاد مصر؟

لماذا يحمل خفض الفائدة مخاطر على اقتصاد مصر؟
جسر جامعة القاهرة فوق نهر النيل في العاصمة المصرية يوم 20 مارس 2024المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:4 أبريل 2025, 04:09 ص

في أروقة البنك المركزي المصري، يترقب المسؤولون تطورات الاقتصاد بحذر شديد، فقد تراجع معدل التضخم الذي بلغ ذروته عند 38% في منتصف العام 2023، إلى 12.8% في فبراير 2025، وفقاً لبيانات «تريدينج إيكونوميكس».

كما انخفض التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، من 22.6% في يناير 2025 إلى 10% في فبراير، بحسب بيان البنك المركزي المصري الصادر في 10 مارس 2025. 

لكن هذا التحسن يبدو هشاً، ما يبقي السؤال المحوري قائماً: كيف يمكن للحكومة إنعاش اقتصاد يعاني الركود دون إعادة إشعال الضغوط التضخمية؟.

يحتفظ البنك المركزي المصري بأسعار فائدة مرتفعة عند 27.25% للودائع و28.25% للإقراض، وهي مستويات ثابتة منذ قراره في 20 فبراير 2025، وفق الموقع الرسمي للبنك.

يعكس هذا الموقف الحذر واقع الجنيه المصري، الذي يتداول حالياً عند 52.65 مقابل الدولار الأميركي، بعد تراجع مزمن تفاقم، في مارس 2024، عندما أُطلق للتعويم، وانخفض بنسبة كبيرة. 

يُعزز الجنيه الضعيف تنافسية الصادرات، لكنه يُثقل كاهل المواطنين بارتفاع تكاليف الواردات، وهي ضربة موجعة لدولة يعيش نحو ثلث سكانها البالغ عددهم 110 ملايين نسمة تحت خط الفقر، بحسب تقديرات البنك الدولي للعام 2023.

معدل التضخم في مصر بين 2022 و 2025
معدل التضخم في مصر بين 2022 و 2025 المصدر: Trading economics

معادلة اقتصادية معقدة

تواجه الحكومة المصرية مأزقاً اقتصادياً صعباً، فخفض أسعار الفائدة قد يُحفز النمو الاقتصادي المتعثر، الذي سجل 3.5% في الربع الأول من السنة المالية 2024/2025 (وزارة التعاون الدولي، 19 مارس 2025).

توقع بنك «مورجان ستانلي» في تقرير نُشر يوم 15 نوفمبر 2024، أن يبدأ البنك المركزي خفض الفائدة في الربع الأول من 2025، لكن البنك المركزي لم يقدم على هذه الخطوة بعد، لأن المخاطر واضحة: انخفاض إضافي في قيمة الجنيه قد يُؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار.

في المقابل، تُعيق أسعار الفائدة المرتفعة الاستثمار، وتُبقي الاقتصاد في حالة شبه جمود، ما يُعزز التوتر بين هدفي النمو والاستقرار.

أخبار ذات صلة

«الغرف التجارية»: قرارات ترامب ستؤثر في الصادرات المصرية لواشنطن

«الغرف التجارية»: قرارات ترامب ستؤثر في الصادرات المصرية لواشنطن

عملة في انهيار مستمر

لم يبدأ تراجع الجنيه المصري اليوم، فمنذ العام 1952، شهدت العملة سلسلة انخفاضات متكررة، كل منها يُثير أزمة اقتصادية، وفق تحليل «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي» يوم 15 مارس 2023. 

في يناير 2023، خسر الجنيه 40% من قيمته، ثم أُطلق للتعويم، في مارس 2024، ضمن اتفاق مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار «رويترز، 7 مارس 2024».

كان الهدف تعزيز الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكن النتيجة كانت ارتفاعاً حاداً في أسعار الواردات مثل القمح والوقود، ما غذى التضخم.

يطمح البنك المركزي إلى خفض التضخم إلى 7% بحلول نهاية 2026 «البنك المركزي المصري، 20 فبراير 2025»، لكن المعدل الحالي عند 12.8% يجعل هذا الهدف بعيد المنال. كما تُفاقم اضطرابات البحر الأحمر، التي قلصت إيرادات قناة السويس 40% في 2024 «وزارة المالية، يناير 2025»، من ضيق الخيارات لدعم العملة.

شروط صندوق النقد 

يُضاعف اتفاق صندوق النقد الدولي، المُوسع، في مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، الضغوط على مصر. تشمل الشروط اعتماد سعر صرف مرن، وتقليص الدعم على الوقود والخبز، وتسريع برنامج الخصخصة لبيع الشركات الحكومية.

تهدف هذه الإجراءات إلى إعادة تنشيط اقتصاد متعثر، لكنها تحمل تبعات قاسية. قد يُثير تقليص الدعم احتجاجات شعبية في بلد يعاني ارتفاع معدلات الفقر، بينما قد تؤدي الخصخصة، مثل بيع حصص في البنوك أو المصانع، إلى تسريح العمالة، ما يُعمق القلق الاجتماعي في ظل ظروف اقتصادية هشة.

أسعار الفائدة في مصر والولايات المتحدة ومنطقة اليورو
أسعار الفائدة في مصر والولايات المتحدة ومنطقة اليورو المصدر: CBE, FED, ECB

النمو مقابل الاستقرار

سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 3.5% في الربع الأول من السنة المالية 2024/2025 «وزارة التعاون الدولي المصرية»، وهو معدل لا يكفي لتلبية احتياجات سكان شباب يطالبون بفرص عمل. وحتى الآن، يُظهر قطاع التصنيع غير البترولي قدرة على الصمود، لكن أسعار الفائدة المرتفعة تُثبط الاستثمار الخاص. 

قد يُحرّر خفض الفائدة النشاط الاقتصادي، لكنه يحمل مخاطر ارتفاع تكاليف الواردات الأساسية مثل القمح والأدوية، التي تعتمد عليها مصر بشدة.

ويبدو أن البنك المركزي يعتمد على استمرار الانتظار، متوقعاً ربما تحسن إيرادات قناة السويس أو انتعاش التجارة العالمية، لكن التأخير قد يُفاقم الركود، والإقدام المبكر قد يُعيد التضخم إلى مستوياته السابقة.

أخبار ذات صلة

البرلمان الأوروبي يوافق على قروض لمصر والأردن بـ4.5 مليار يورو

البرلمان الأوروبي يوافق على قروض لمصر والأردن بـ4.5 مليار يورو

مسار محفوف بالمخاطر

تقف مصر، اليوم، عند مفترق طرق اقتصادي حاسم، يتطلب تثبيت الجنيه والسيطرة على التضخم للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة وتشديد السياسة المالية، بينما يحتاج تعزيز النمو إلى تخفيف هذه القيود. يُشكل تراجع التضخم إلى 12.8% بارقة أمل محدودة، لكن التحديات الأعمق (من تقلبات العملة إلى ضغوط الدين الخارجي) تظل قائمة. 

وتُعد الإصلاحات الهيكلية، مثل تسريع الخصخصة، وتحسين بيئة الأعمال، خطوات قد تُحقق تقدماً على المدى الطويل، لكن تنفيذها بطيء ومكلف سياسياً، فالحكومة تتأرجح بين التزامات صندوق النقد الدولي والضغوط الداخلية، إذ يُمكن لأي خطأ أن يُبدد المكاسب الهشة، ويعيد البلاد إلى دوامة التضخم التي تسعى جاهدة للخروج منها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف
جميع الحقوق محفوظة © 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC