يسعى الكرملين إلى تعزيز نفوذه العسكري في دمشق عبر بوابة «أزمة الطاقة في سوريا»، رغم رفضه تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد إلى الحكومة الجديدة.
وتواجه سوريا أزمة حادة في إمدادات النفط والديزل والغاز منذ ديسمبر 2024، حين أطاحت قوات المعارضة بنظام الأسد، الذي حظي بدعم موسكو لأكثر من عقد.
ووفقًا لصحيفة «The Moscow Times»، بدأت روسيا بالفعل في إرسال شحنات النفط والوقود إلى سوريا للحفاظ على وجودها العسكري هناك، بناءً على توجيهات الرئيس فلاديمير بوتين. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن هذه الشحنات انطلقت في فبراير مع اتخاذ تدابير لإبقائها سرية.
وقال مصدر في قطاع النفط الروسي للصحيفة: «الدعم للشعب السوري، الذي نعتبره صديقاً لنا، جارٍ بالفعل، وقد طُلب منا العمل بهدوء».
بعد سقوط نظام الأسد المفاجئ، وجدت موسكو نفسها دون حلفاء داخل سوريا. وأكد دبلوماسي روسي أن «جميع أصدقائنا في سوريا غيروا مواقفهم فور هروب الأسد ووصول المعارضة – حتى على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا خلق صعوبات هائلة لسياستنا في سوريا والشرق الأوسط عموماً».
ورغم ذلك، منحت روسيا اللجوء للأسد وأسرته، مما أدى إلى تدهور علاقاتها مع القيادة السورية الجديدة، وأثار استياءً واسعاً بين السوريين. وقال الدبلوماسي نفسه: «لقد كان ذلك بمثابة مسمار آخر في نعش صداقتنا مع الشعب السوري، لكن لم يكن لدينا خيار آخر».
وأكد دبلوماسي روسي مقرب من الكرملين أن تسليم الأسد لم يكن مطروحاً خلال المفاوضات مع الحكومة الجديدة، مضيفاً: «موقف زعيمنا (بوتين) واضح: نحن لا نتخلى عن رجالنا، مهما كان الثمن»".
منذ تدخلها في الحرب السورية عام 2015، لعبت روسيا دوراً محورياً في المنطقة، لكن تأثيرها المستقبلي بات مرتبطاً بعلاقاتها مع تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال محلل مرتبط بالكرملين لـ «The Moscow Times» إن موسكو مستاءة من التصعيد الإسرائيلي، حيث «احتلت إسرائيل بالكامل مرتفعات الجولان وهاجمت قواعد عسكرية ومنشآت دفاعية سورية منذ الإطاحة بالأسد».
ورأى خبراء من «Valdai Club»، وهو مركز أبحاث روسي، أن موسكو بحاجة لإظهار التزامها بدعم الدولة السورية وسيادتها، مع تبني سياسة مرنة في التعامل مع الحكومة الجديدة.
رغم التكهنات حول تراجع النفوذ الروسي في سوريا بعد سقوط الأسد، لا تزال موسكو تسيطر على قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.
وقال الخبير في شؤون الشرق الأوسط إبراهيم إبراهيموف إن روسيا قد تضطر لتقليص وجودها العسكري، وربما تحتفظ بقاعدة طرطوس بينما تتخلى عن قاعدة حميميم. وأضاف الباحث نيكولاي سوخوف أن تركيا، الداعم الرئيسي للحكومة السورية الجديدة، تضغط لتحقيق هذا السيناريو.
وبحسب مصادر دبلوماسية روسية، فإن موسكو قد تضطر لتعويض دمشق عبر المساهمة في إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، وتوفير الوقود والغذاء، وإعادة بناء النظام الصحي السوري.
بعد اتصال هاتفي بين بوتين والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في 12 فبراير، استأنفت روسيا شحنات العملة السورية المطبوعة لديها. ووصلت دفعة جديدة من الأوراق النقدية إلى دمشق في أوائل مارس، وفقًا لمسؤول روسي تحدث لـ«The Moscow Times».
وأصبحت سوريا في مواجهة أزمة وقود حادة بعد الإطاحة بالأسد، حيث توقفت إمدادات النفط من إيران، أحد أبرز داعمي النظام السابق. وعلى الرغم من امتلاكها حقول نفط غنية، فإن معظمها لا يزال خارج سيطرة الحكومة.
رغم تخفيف الاتحاد الأوروبي بعض القيود وقيام الولايات المتحدة بمنح إعفاءات إنسانية، فإن تجار النفط والشركات الملاحية ما زالوا يتوخون الحذر من العقوبات الغربية المفروضة على سوريا.
لكن موسكو تحركت بسرعة لسد هذا الفراغ، إذ وصلت عدة ناقلات وقود روسية إلى سوريا خلال الشهر الماضي.
وبحسب (TankerTrackers.com)، فقد رست ناقلة النفط (Sakina)، التي ترفع علم بربادوس، في ميناء سوري في 25 مارس محملة بـ100 ألف طن من النفط الروسي. وفي 21 مارس، وصلت الناقلة (Aquatica) إلى ميناء بانياس، وفق تقارير إعلامية محلية.
كما أفادت وكالة سانا الرسمية أن الناقلة «Prosperity»، التي كانت تُعرف سابقًا باسم «NS Pride» وتخضع لعقوبات أميركية وأوروبية، أفرغت 37 ألف طن من الديزل في بانياس بعد تحميلها في ميناء بريمورسك الروسي.
لتجنب اكتشاف عملياتها، أوقفت هذه الناقلات أجهزة الإرسال والاستقبال عند اقترابها من السواحل السورية، أو أدخلت بيانات خاطئة في نظام التعريف الآلي (AIS).
ووصفت الدبلوماسية الفرنسية سهير مديني، الزميلة الزائرة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سياسة موسكو في سوريا بأنها «براغماتية بحتة»، مشيرةً إلى أن "روسيا تسعى الآن لإعادة تثبيت وجودها عبر إمدادات الطاقة».