بعد أكثر من شهرين على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا بقيادة الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة بارزة بتخفيف العقوبات المفروضة على قطاعات رئيسية في الاقتصاد السوري.
تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه البلاد تحولاً سياسياً كبيراً، وسط تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة. وبينما لا تزال العقوبات الأميركية سارية، فإن القرار الأوروبي يمثل فرصة جديدة لفتح المجال أمام الاستثمارات وتعزيز التعافي الاقتصادي.
لطالما شكّلت العقوبات الأوروبية على سوريا عاملاً رئيسياً في عرقلة النشاط الاقتصادي، إذ تضمنت قيوداً صارمة على قطاعات النفط والغاز، المصارف والنقل، ما أدى إلى عزلة البلاد عن الأسواق العالمية.
ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد تسبب النزاع في خسائر اقتصادية تُقدر بحوالي 923 مليار دولار، وهو ما أدى إلى انهيار الناتج المحلي الإجمالي، الذي انخفض إلى نحو 29 مليار دولار بعد أن كان يبلغ 60 مليار دولار قبل الحرب.
ومع إعلان الاتحاد الأوروبي تخفيف القيود، أصبح بإمكان الشركات الأوروبية الدخول مجدداً إلى السوق السورية، مما يعزز تدفق رأس المال الأجنبي، ويوفر فرصاً جديدة للاستثمار في قطاعات حيوية مثل الطاقة وإعادة الإعمار.
كما سيسهم رفع القيود المفروضة على بعض المصارف السورية، مثل «المصرف الصناعي» و«مصرف التسليف الشعبي»، في تسهيل المعاملات المالية والتجارية، ما يفتح الباب أمام تمويل مشاريع إعادة الإعمار بفعالية أكبر، وفق تقرير للمجلس الأوروبي.
يُعد قطاع الطاقة من أكثر القطاعات التي تأثرت بالعقوبات، إذ تراجع إنتاج سوريا من النفط إلى مستويات غير مسبوقة بسبب تقييد الوصول إلى الأسواق الدولية والتكنولوجيا اللازمة لاستخراج وتكرير النفط.
ومع رفع بعض القيود، بات بإمكان الشركات الأوروبية المساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة، مما سيحسن من قدرة البلاد على توليد الكهرباء وتوفير الوقود، وفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».
أما القطاع المصرفي، فقد كان يعاني شلل شبه تام بسبب العقوبات التي منعت المصارف السورية من إجراء تحويلات مالية دولية. ومع تخفيف القيود، يمكن للمصارف استعادة بعض نشاطها من خلال تسهيل المعاملات التجارية والاستثمارية، لا سيما في المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار والخدمات الأساسية.
في انتكاسة للجهود الرامية إلى إنعاش الاقتصاد المتضرر من الحرب، أرجأت قطر مساعدات مالية لسوريا؛ بسبب عدم اليقين بشأن ما إذا كانت التحويلات ستنتهك العقوبات الأميركية، وفق وكالة «رويترز».
ورغم الانفتاح الأوروبي، لا تزال العقوبات الأميركية تشكل عائقاً كبيراً أمام تعافي الاقتصاد السوري، إذ تفرض واشنطن عقوبات ثانوية تستهدف أي كيان يتعامل مع أفراد أو مؤسسات مدرجة على لائحتها السوداء.
كما أن استمرار العقوبات الأميركية على «مصرف سوريا المركزي» يُعقّد عملية تحويل الأموال، مما يحد من قدرة المستثمرين على تنفيذ مشاريع طويلة الأمد.
يلعب المهاجرون دوراً مهماً في دعم الاقتصاد، إذ يملك العديد من السوريين المقيمين في أوروبا وأميركا الشمالية خبرات واسعة يمكن أن تسهم في إعادة بناء البلاد.
وقد أسس بعض السوريين مشاريع ناجحة في الخارج، ما يتيح إمكانية نقل رؤوس الأموال والخبرات إلى الداخل السوري في حال تهيأت الظروف المناسبة.
وتحاول الحكومة تسهيل عودة المستثمرين ورجال الأعمال السوريين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب، بهدف تشجيعهم على المساهمة في إعادة الإعمار.
ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يوجد أكثر من 6.8 مليون لاجئ سوري في الخارج، إضافة إلى 6.7 مليون نازح داخلياً.
تقف سوريا عند مفترق طرق بين فرص التعافي والعقبات المستمرة. فمن جهة، يمنح تخفيف العقوبات الأوروبية دفعة إيجابية للاقتصاد السوري، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق الانتعاش الكامل.
ووفق تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن نجاح الحكومة المؤقتة في إدارة المرحلة الانتقالية يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن بين الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى قدرتها على استقطاب الاستثمارات الدولية وضمان بيئة آمنة للمستثمرين.
كما أن مستقبل الاقتصاد السوري سيتحدد بناءً على مدى قدرة البلاد على بناء علاقات اقتصادية جديدة، سواء مع الدول الأوروبية أو مع القوى الإقليمية، مثل تركيا ودول الخليج، التي يمكن أن تؤدي دوراً رئيسياً في دعم إعادة الإعمار.
وفي حين يُعد الانفتاح الأوروبي مؤشراً إيجابياً، فإن نجاح سوريا في الاستفادة منه يعتمد على قدرتها على تجاوز العقوبات الأميركية، وتحقيق استقرار أمني، وبناء بيئة استثمارية جاذبة، وإلا قد تبقى تداعيات الحرب والاقتصاد المنهار تشكل عائقاً أمام التعافي الكامل.