في الوقت الذي تنتظر فيه الحكومة اللبنانية، برئاسة نواف سلام، نيل الثقة من البرلمان، يعيش اللبنانيون ومعهم مودعون عرب وأجانب في مقدمتهم السوريون، على أمل خافت باستعادة أموالهم التي تقدرها جمعية مصارف لبنان بأكثر من 120 مليار دولار من أصل 124 ملياراً كانت مودعة في المصارف اللبنانية قبل تفجر الأزمة؛ غير أن السبيل إليها طويل ورهين إصلاحات هيكلية قاسية «ليس من ضمنها شطب الودائع»، كما أكد وزير المالية اللبناني ياسين جابر أخيراً في تصريحات إعلامية، حاول عبرها طمأنة الشارع المحتقن مُحاججاً بأن الشطب «لا يصب في مصلحة استعادة الثقة في النظام المصرفي اللبناني».
لكنه أكد أن «إعادة الودائع تتطلب خطة على المدى البعيد» مع «إعطاء الأولوية لصغار المودعين» الذين يشكلون ما يصل إلى 85% من أصحاب الحقوق، ضمن إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي ما زالت قيد المشاورات في بلد خاصمته التوافقات السياسية، واستغرق فيه انتخاب رئيس أكثر من عامين.
انزلق لبنان بدءاً من أواخر عام 2019، إلى أزمة اقتصادية طاحنة دفعت البنك الدولي لاعتبارها واحدة من أكثر الأزمات التي شهدها العالم حدةً منذ منتصف القرن التاسع عشر. هذه الأزمة التي فاقمتها ضربات أخرى أقواها جائحة «كوفيد-19» والانفجار الدراماتيكي لميناء بيروت في 4 أغسطس 2020، أدت إلى تدهور كبير في أوضاع اللبنانيين.
ظل اقتصاد لبنان قائماً إلى حد كبير على الخدمات، وشكل فيه القطاع المصرفي رافداً هاماً منح البلاد لقب «سويسرا الشرق الأوسط»، نتيجة السرية المصرفية والعوائد المغرية التي عملت كمغناطيس لرأس المال الأجنبي. وقد شهدت أصوله طفرة لتتجاوز 260 مليار دولار حتى أكتوبر 2019، بحسب بيانات بنك الاعتماد اللبناني، أي ما يعادل خمسة أضعاف الناتج الاقتصادي للبلاد في نفس العام، وفقاً لأرقام البنك الدولي.
للسياحة أيضاً نصيب هام في الاقتصاد اللبناني، أما التحويلات المالية من المغتربين فدعمته لسنوات، وقد حافظ تدفقها المستمر على تماسك القطاع المالي الهش. على مدى العقد الماضي، استقرت التحويلات السنوية عند متوسط 6.5 مليار دولار، مشكلة ما يفوق 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
هذا الواقع خلق اقتصاداً معتمداً بشكل مفرط على تدفقات رأس المال الخارجي، ما جعله عرضة لعدم الاستقرار العالمي والإقليمي، خصوصاً في ظل تهميش الإنتاج المحلي وقطاعات الاقتصاد الحقيقي، رغم مساهمة السياحة والعقارات بجزء من النمو.
بعد أزمة أسعار النفط في 2014، ضاق صنبور تحويلات المغتربين، كما تقلصت شهية المستثمرين الإقليميين نتيجة تأثر لبنان بأزمة سوريا المجاورة. ومع اندلاع الاحتجاجات عام 2019، والقيود التي فرضت على السفر بسبب جائحة «كوفيد-19»، وانفجار ميناء بيروت، بدأت ظلال قاتمة تُلقى على آفاق القطاع السياحي اللبناني.
نقاط الضعف الهيكلية تلك لم تطف إلى السطح سوى عندما انهارت الثقة في النظام المالي اللبناني أواخر عام 2019، ساحبة معها اقتصاد البلاد برمته نحو الهاوية.
بلغ الانخفاض التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان أكثر من 38% منذ 2019، وفقاً لأحدث تقرير خاص برصد الاقتصاد اللبناني صادر عن البنك الدولي. كما خسرت الليرة اللبنانية 98% من قيمتها، فيما انفجر التضخم وبلغت البطالة 30%، بحسب الإدارة المركزية للإحصاء.
ولسنوات، عانى لبنان من عجز كبير في الحساب الجاري، يظهر من بيانات صندوق النقد الدولي أنه يعادل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، في ظل اعتمادها على الواردات لتلبية 80% من احتياجاتها من الغذاء.
في عام 2021، بلغت نسبة الدين العام اللبناني إلى الناتج المحلي الإجمالي مستوى قياسياً بلغ نحو 360%. واعتباراً من أوائل عام 2023، وصل إجمالي الدين العام للبلاد إلى قرابة 102.5 مليار دولار، ما جعل خدمة الدين تقضم جزءاً كبيراً من إيرادات الدولة وترك مجالاً ضئيلاً للاستثمار العام وإدارة الأزمات.
ظل الاقتصاد اللبناني تحت سيطرة النخب التي أساءت استخدام أموال القطاع العام ومصادر رأس المال ضمن نظام «الزبائنية» السائد. هذه النخب تكشف تقارير ملكيات أصول القطاع المصرفي اللبناني صلاتها الوطيدة بثماني عائلات لبنانية تسيطر على نحو ثلث القطاع المصرفي للبلاد.
وقد أعطى ميزان المدفوعات ــ الذي دعمته التدفقات الخارجية ــ الطبقة الحاكمة مبرراً للإبقاء على النموذج الاقتصادي القائم، وبالتالي تأجيل الإصلاحات. لكن في عام 2011، وبعد عدة سنوات من الاستقرار المالي النسبي، بدأ غبار الحرب السورية يعكّر سماء لبنان. وقد اشتدت الضغوط بسبب أزمة أسعار النفط، والفراغ الرئاسي بين عامي 2014 و 2016.
شرعت تدفقات المغتربين في التناقص، ومع خروج رؤوس الأموال وبغية الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية التي تشكل أساس استقرار العملة، نفذ رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق ما يسمى بـ«الهندسة المالية» في عام 2016.
صُمم المخطط لحل 3 معضلات: ندرة النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان، وخدمة الدين المرتفعة لوزارة المالية، وعدم كفاية رأس المال والسيولة لدى البنوك التجارية.
المخطط الذي قاده سلامة الملاحق قضائياً بتهم من بينها اختلاس الأموال العامة بعد أن تحوّل إلى محور للتحقيقات المحلية والأوروبية، سمح للبنوك بجذب الأموال من الخارج بعوائد مغرية تصل إلى 14%، وقد استقطب مليارات الدولارات.
لم تلقِ البنوك اللبنانية بالاً لتحذيرات صندوق النقد الدولي، بل زاد انجذابها إلى أسعار الفائدة المرتفعة من تعرضها للديون الحكومية الأطول أجلاً، ما أوقعها في دائرة المخاطر، لا سيما أنها حوّلت الجزء الأعظم من ودائع الناس إلى سندات سيادية وودائع لدى مصرف لبنان المركزي، وُظّفت في مجملها لسداد التزامات الحكومة ودعم سعر صرف مبالغ فيه، وفق تقييم صندوق النقد الدولي.
وُصف المخطط بـ «البونزي» على غرار مخططات الاحتيال الشهيرة، نظراً لقيامه على اقتراض أموال جديدة لسداد الدائنين الحاليين. وعندما انقلب إلى ذعر وسحب للودائع، كانت النتائج خسائر فادحة للقطاع المصرفي بأكمله وإفلاساً بحكم الأمر الواقع.
شكلت الاحتجاجات التي شهدتها البلاد نتيجة الاحتقان الاجتماعي إلى جانب تراجع احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان المركزي، مبرراً لبدء رحلة الهروب الجماعي للودائع ورأس المال من لبنان مع تدهور الثقة في نظامه المالي.
وبحكم تعرضه المفرط للديون السيادية نتيجة «الهندسة المالية»، استفاق النظام المصرفي اللبناني على واقع مظلم، مع تحول جشع المودعين الباحثين عن الفائدة المرتفعة إلى مخاوف بشأن سلامة ودائعهم.
تكثف الطلب على الأموال في وقت طُلب من البنوك تحويل الودائع لدى مصرف لبنان إلى طويلة الأجل في محاولة منه للدفاع عن العملة، ما زاد مخاطر عدم قدرتها على سداد الالتزامات.
وبدءاً من أكتوبر 2019، بدأت البنوك في فرض قيودها الخاصة على العملات الأجنبية وتحويلات رأس المال، فضلاً عن الحدود المفروضة على عمليات سحب الدولار أو حتى الليرة اللبنانية؛ ما فتح الباب أمام الانتهاكات والنزاعات القضائية التي أفضت إلى تجميد أصول بنوك لبنانية كبرى، وحظر سفر العديد من كبار المسؤولين التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة فيها.
هذه الضوابط أدت إلى الحد بشكل كبير من قدرة اللبنانيين على سحب أو إرسال الأموال إلى الخارج، ما دفع البعض إلى المطالبة القضائية داخل لبنان وفي المحاكم الأوروبية، فيما وجد آخرون في القوة سبيلاً، وسادت عمليات اقتحام الفروع البنكية على الطريقة الهوليودية.
ومع انهيار الهياكل المصرفية التقليدية، شرع المواطنون اللبنانيون في الاعتماد على المعاملات النقدية والأنظمة المالية غير الرسمية وتكثفت عملية الدولرة. وإلى جانب أزمة الطاقة المتفاقمة والتضخم المفرط، أصبح اقتصاد لبنان يعتمد بشكل متزايد على التحويلات المالية التي باتت شريان حياة، لتشكل ما يقرب من 38% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان في عام 2022، بحسب البنك الدولي، وهو ما جعل من لبنان أحد أكبر المتلقين للتحويلات المالية على مستوى العالم.
في افتتاحية التقرير الشھري الأخير لجمعية مصارف لبنان، شدّد أمينها العام فادي خلف، على أن أي خطة للتعافي لا بد أن تتضمن الاستفادة من الأصول العامة غير المستغلة التي تقدر قيمتها بعشرات المليارات، واستعمال أصول مصرف لبنان، وإعادة جدولة الدين العام عبر مفاوضات مع حاملي سندات «اليوروبوند» من مصارف ومودعين ومؤسسات مالية دولية، إلى جانب استقطاب الاستثمارات، وإعادة تنشيط العمل المصرفي ضمن بيئة إصلاحية واضحة.
وعليه، يبدو تعافي لبنان طويلاً وشاقاً في ظل نظام سياسي معقد، وغياب الدعم الخارجي، والآثار المركبة للاضطرابات الإقليمية؛ بيد أن دخوله مرحلة سياسية جديدة يفتح المجال أمام فرض إصلاحات شاملة وتحفيز المساعدات الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً وسط حديث عن إعادة إحياء المفاوضات مع صندوق النقد.