سياسة التجارة التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتسم بفرض تعريفات جمركية تبدو عشوائية، قد تخفي جهداً مدروساً لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية العالمية. فبعيداً عن كونها مجرد اضطراب، قد تكون هذه السياسة الخطوة الأولى ضمن استراتيجية كبرى لبناء نظام دولي يتمحور حول الولايات المتحدة، وهو التحوّل الثالث من نوعه منذ منتصف القرن العشرين.
للوهلة الأولى، تثير تعريفات ترامب الحيرة: لماذا يستهدف الحلفاء إلى جانب الخصوم، من دون أي مبالاة بشأن تقلبات سوق الأسهم؟ الإجابة لا تكمن في الفوضى، بل في الحسابات الدقيقة، وهو ما يبدو محاولة لهدم النظام التجاري الذي بنته أميركا بعد الحرب العالمية.
التاريخ يقدم نموذجين سابقين: نظام «بريتون وودز» عام 1944 الذي ربط العملات بالدولار والذهب؛ وعصر النيوليبرالية في الثمانينيات الذي أطلقه الرئيس الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، بأسواقه المفتوحة وأسعار الصرف المرنة. أما اليوم، فقد تؤذن تعريفات ترامب ببداية حقبة ثالثة، ربما تشير كتب التاريخ لاحقاً إلى أنها انطلقت عام 2025.
سكوت بيسينت، وزير الخزانة الجديد لترامب، يلمح إلى الرؤية الأوسع، ويقول إن التعريفات «بدأت عملية إعادة توجيه علاقاتنا الاقتصادية الدولية». الخطة، المستمدة من تصريحات المستشارين، تتخيل عالماً متدرجاً: دول «خضراء» تتمتع بتعريفات منخفضة وحماية عسكرية ووصول إلى الدولار؛ ودول «صفراء» و«حمراء» تُترك لتدبّر أمرها بنفسها. هذا الإطار الطبقي يدعم ما يمكن تسميته «الخطة الرئيسة لترامب».
مهندسا هذه الاستراتيجية الرئيسان -بيسينت، وهو مدير صندوق استثماري سابق عمل مع جورج سوروس؛ وستيفن ميران، كبير مستشاري ترامب الاقتصاديين واستراتيجي سابق- مهووسان بتراجع الصناعة الأميركية. فقد انخفضت حصة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي من 28% بعد الحرب العالمية الثانية إلى 10% اليوم.
حرب ترامب التجارية الأولى لم توقف هذا الانخفاض. مع ذلك، فإن إعادة الصناعة تبقى هي الهدف الأسمى. وينبع قلق ترامب ومستشاريه من خوفين: تدهور منطقة «الصدأ» الصناعية، وهي قاعدة سياسية حاسمة؛ وتآكل القوة الصناعية الأميركية مقارنة بالصين، التي تفوق قدرتها على بناء السفن قدرة الولايات المتحدة، وهي فجوة تحمل دلالات عسكرية خطيرة.
لماذا يتم تفكيك نظام عالمي صاغته أميركا نفسها؟ تتكشف القصة في فصلين. من 1944 إلى 1973، ربط نظام «بريتون وودز» الدول بالدولار (المرتبط بالذهب)، وقدّم الحماية العسكرية الأميركية، وساعد في النمو الصناعي. في المقابل، حصلت الولايات المتحدة على حلفاء في الحرب الباردة فضلاً عن «امتياز باهظ» للدولار كعملة احتياط عالمية. لكن عيباً -يمكن أن نطلق عليه المصطلح الشهير «معضلة غريفين» المرتبطة بمفهوم الحرية الإرادية والمسؤولية- أفسد هذا الامتياز: الطلب العالمي على الدولار تجاوز احتياطات الذهب، وهو ما دفع الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، إلى فك الارتباط ما بين العملة الخضراء والمعدن الأصفر عام 1971.
النظام النيوليبرالي، من الثمانينيات إلى 2016، استبدل الصرامة بالمرونة -تعريفات أقل، ورأسمال أكثر، وحرية، وعملات متغيرة، وتعهدات أمنية أميركية مستمرة. هذا النظام كان أقل رسمية من «بريتون وودز»، لكنه شجّع الدول الأجنبية على تجميع الدولارات عبر الصادرات إلى الأسواق الأميركية. استفادت الولايات المتحدة من دولار قوي يدعم انتشارها العسكري رغم تراجعها اقتصادياً، ويثري في الوقت ذاته مواطنيها. لكن التكلفة كانت باهظة، حيث أغلقت المصانع، وزادت التفاوتات.. وفاز ترامب في 2016.
من هذه الأنقاض تبرز خطة من ثلاث خطوات لإعادة تصنيع أميركا، مع المحافظة على هيمنة الدولار.
الخطوة الأولى: فوضى التعريفات
هذه هي المرحلة الحالية -تعريفات واسعة على الحلفاء والخصوم على حد سواء، وهي أداة صلبة لانتزاع التنازلات. يصف بيسينت التعريفات كورقة تفاوض. أما ميران، فاقترح تأخيرها لإحداث أقصى تأثير، والهدف هو زعزعة الشركاء التجاريين بهدف إخضاعهم.
الخطوة الثانية: التعريفات المتبادلة
الهدف هو التكافؤ -تعريفات تواجه تعريفات، ومحو التشوهات مثل الأجور المنخفضة أو سرقة الملكية الفكرية. يراهن ميران على أن دور الولايات المتحدة كسوق تصدير رئيسة، يمنحها نفوذاً كبيراً، كما أن الدول المتعطشة للدولار ستتحمل الألم. التعريفات الشاملة، حسب المنطق، تخفف المقاومة، وتفتح الباب أمام اتفاقات عملات مرتبطة بتخفيض التعريفات.
الخطوة الثالثة: اتفاق مار-أ-لاغو
الخاتمة هي صفقة عملات -أو «بريتون وودز» جديد من دون ذهب هذه المرة، وربما يحمل اسم منتجع ترامب بولاية فلوريدا «مار-أ-لاغو». التفاصيل غامضة، لكن القصد واضح: دولار أضعف لتقليص العجز التجاري ورفع الصادرات، مع المحافظة على مكانته كعملة احتياط.
قد تربط الدول «الخضراء» عملاتها بالدولار، وتحصل على وصول إلى السوق والأمن، وربما تدفع مقابل الحماية الأميركية، كدول تابعة عملياً.
تماسك الخطة يربط تعريفات اليوم بنظام الغد، لكن نجاحها يعتمد على جذب الدول إلى هذا النظام كلاعبين «خضر». إلا أن الشكوك تظل قائمة: هل دبلوماسية ترامب الحادة تبني الثقة التي يتطلبها مثل هذا النظام؟
من دون مشاركة واسعة، فإن الولايات المتحدة تواجه خياراً قاسياً، يتجلى في التخلي عن هيمنة الدولار أو الاعتماد على مصانع أجنبية.